كثرت الدراسات النفسية عن سلوك البشر ويومًا بعد يوم تطل علينا وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وتنقل إلينا كيف تتحول المناقشات البسيطة بين الأفراد، خصوصًا الأزواج وهم أقرب الأشخاص بعضهم إلى بعض، إلى سلوك مشين وعنف يقضي أحيانًا على الأخضر واليابس ويحيل حياة الأسرة إلى جحيم لا يطاق.

وقد أثبتت معظم الدراسات أن أكثر التحديات صعوبة في العلاقات الإنسانية، خصوصًا بين الأزواج هي التعامل مع الاختلافات والخلافات، وفي الغالب حينما يختلف الأزواج يمكن أن تتحول مناقشاتهم إلى مجادلات، ثم من دون إنذار إلى معارك وفجأة يتوقفون عن الحديث بشكل ودي، ويبدأ بعضهم يحرج الآخر بشكل آلي (يلومون، ويشتكون، ويتهمون، وتكثر مطالبهم، ويستاؤون، ويتشككون).

فالرجال والنساء يتجادلون بهذا الأسلوب يجرحون ليس فقط مشاعرهم ولكن علاقاتهم أيضًا.

وبما أن الاتصال هو العنصر الأكثر أهمية في العلاقة فإن المجادلات يمكن أن تكون العنصر الأكثر تدميرًا، لأننا كلما اقترب بعضنا من بعض كان من السهل أن يجرح بعضنا بعضًا.

من الناحية العملية أوصي بأن لا يتجادل الزوجان (وهذا مستحيل في زماننا هذا)، فحين يكون شخصان غير مرتبطين جنسيًا يكون من السهل أن يبقيا منفصلين وموضوعيين عندما يتجادلان ويتحاوران، ولكن عندما يتجادل زوجان مرتبطان عاطفيًا وجنسيًا فإنهما وبسهولة يأخذان الأمر بشكل شخصي جدًا.

ودون أن ندرك كيف أن الرجال والنساء مختلفون من السهل أن ندخل في مجادلات تؤذي الطرفين.

واختلاف وجهات النظر لا يؤلم بقدر الأسلوب الذي يعبر عن وجهة النظر، فليس حتميًا أن تكون المجادلة مؤلمة فيمكن أن تكون ببساطة مناقشة ممتعة تعبر عن اختلافنا واختلاف وجهة نظرنا. وملخص معظم الدراسات (أن ما لا يمكن تفاديه أن كل الأزواج تكون لهم اختلافات ويختلفون حول أمر واحد)، ولكن عمليًا معظم الأزواج يبدؤون الجدال حول أمر، ثم بعد خمس دقائق يتجادلون حول الأسلوب الذي ينبغي أن يتجادلون به، ومن دون علم يبدأ يجرح بعضهم بعضًا، والذي كان من الممكن أن يكون محاولة بريئة، يمكن حلها بسهولة بفهم متبادل وبتقبل لاختلافاتنا، وغالبًا ما يتطور إلى معركة بسبب الأسلوب الذي تناول المشكلة أو المجادلة.

وكقاعدة أساسية لا تجادل أبدًا، بدلاً من ذلك ناقش الحجج المؤيدة والمناقضة لأمر ما، تفاوض حول ما تريد ولكن لا تجادل، وبالإمكان أن تكون أمينًا ومنفتحًا ويمكن أن تعبر عن مشاعر سلبية دون مجادلات أو مخاصمات.

وبعض الأمثلة تقول الحياة دون مشكلات ومجادلات مملة وغير ممتعة، غير أننا نجد أن بعض الأزواج يتجادلون طول الوقت، ويموت حبهم تدريجيًا، وعلى الطرف الآخر ربما يكبت بعض الأزاوج مشاعرهم الصادقة من أجل تفادي الصراع كي لا يتجادلوا، ونتيجة هذا الكبت يفقدون الصلة بمشاعرهم الودية (فنجد أن أحد الأزواج يشن حربًا والآخر حربًا باردة)، والأفضل أن نجد توازنًا بين الطرفين، وإذا أمعنا النظر في أنفسنا وفكرنا في أننا مختلفان كرجل وامرأة فيمكن تطوير مهارات اتصال جيدة وبذلك يكون من الممكن تلاقي المجادلات دون كبت المشاعر السلبية والأفكار والرغبات المتصارعة.

وبالرجوع إلى ما سبق، نجد أن ما يؤلم ليس ما نقوله ولكن كيف نقوله، والملاحظ أن الرجل إذا شعر بالتحدي فإنه يركز انتباهه على كونه على صواب وينسى أن يكون لطيفًا كذلك، وبصورة آلية تتناقص قدرته على الاتصال بطريقة تتسم باللطف، والاحترام، وبنبرات تطمينية، أي أنه لا يعي كم يبدو غير مكترث ولا بمدى الألم الذي يسببه ذلك لشريكته، وأي اعتراض له يسبب هجومًا على المرأة، والطلب يتحول إلى أمر، ومن الطبيعي أن تشعر المرأة بمقاومة هذا الأسلوب غير الودي حتى ولو كانت في ظروف أخرى أكثر تقبلاً لمحتوى ما كان يقوله.

إن الرجل يؤذي دون علم شريكته، حينما يتحدث بأسلوب غير اكتراثي، لم يمض ليبين لماذا لا يجب أن تكون متضايقة، فالتعبير الذي لا يتسم باللطف هو ما يضايقها ولأنه لا يفهم رد فعلها، فإنه يسترسل ويركز على شرح ميزة ما يقول بدلاً من تصحيح الأسلوب الذي تحدث به.

عندما يتجاهل الرجل احترام مشاعر المرأة المجروحة فإنه لا يصادق عليها فيزيد من ألمها، ومن الصعب أن يفهم ألمها لأنه غير حساس للتعليقات والنبرات غير الاكتراثية، وبطريقة مشابهة لا تدرك النساء مدى ما تسببت فيه من ألم للرجال، وبعكس الرجال عندما تشعر المرأة بالتحدي تصبح نبرة حديثها بصورة آلية معبرة باطراد عن عدم الثقة والرفض، هذا النوع من الرفض أكثر إيلامًا للرجل، خصوصًا عندما يكون مرتبطًا عاطفيًا.

والنساء عادة يبدأن المجادلات ويقمن بتصعيدها أولاً بالتعبير عن مشاعرهن السلبية تجاه شريكهن، ثم بتقديم النصح دون طلب، فعندما تهمل المرأة تخفيف مشاعرها السلبية بإشارات ثقة وتقبل يستجيب الرجل سلبيًا تاركًا المرأة في حيرة، وهي مرة أخرى لا تعي كم هو مؤلم عدم ثقتها به.

نحن نحتاج دائمًا إلى أن نتذكر أن شريكنا لا يعترض على ما نقوله ولكن كيف نقوله (يتطلب الأمر اثنين ليحصل الجدال ولكن يتطلب الأمر واحدًا لإيقافه)، وأفضل طريقة هي إيقاف الجدال في المهد وتحمل مسؤولية إدراك متى يتحول اعتراض إلى جدال.

والأنسب أن تتوقف عن الحديث وخذ وقتًا مستقطعًا، فكر مليًا في مباشرتك لشريكك، حاول أن تفهم أنك لا تمنحه ما يحتاج إليه، ثم بعد مرور بعض الوقت، عد وتحدث مرة أخرى ولكن بأسوب لطيف ملؤه الاحترام، إن الأوقات المستقطعة تتيح الفرصة لنا لنبرد ونداوي جراحنا ونستعيد توازننا قبل أن نحاول الاتصال مرة أخرى.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 4 =